لماذا تشعرون بالندم و ماذا ينبغي عليكم فعله بهذا الخصوص

رجل يشعر بالندم

كم مرة في الأسبوع الماضي فكرت “ماذا كان سيحدث لو …”؟ لقد قامت دراسة جديدة بدراسة سبب شعورنا بالأسف كثيراً ، وماذا يخبرنا ذلك عن شخصيتنا. الطبيب النفساني أور يانير يطلعنا على التفاصيل

بما أنكم بشر، إذا طلبت منكم أن تقوموا بدراسة حياتكم، و جميع الاختيارات و القرارات التي قمتم باتخاذها خلال تلك المواقف، ستكون هناك بعض الأشياء التي تشعرون بالندم تجاهها – الأشياء التي قمتم بفعلها، و لكن بأثر رجعي شعرتم أنها لم تكن جديرة بالاهتمام، أو أشياء أخرى لم تقوموا بفعلها، حيث كان عليكم فعلها. على أي حال، تلك كانت اختياراتكم و الآن ينبغي عليكم التعايش معها، و أحياناً هذا الأمر لا يبدو بهذه البساطة.

في بعض الأحيان، يجلس هذا العبء عليكم و يذهب معكم أينما ذهبتم، مثل ظلكم. و في الواقع اليومي للحياة، و ما تحتويه من تعقيدات و تجارب جيدة و أخرى سيئة لا محالة، فإن الشعور بالندم هو احساس طبيعي، حيث أنه يثير اهتمام الباحثين حقاً.

تذهب الدراسات بشأن الشعور بالندم إلى ما هو أبعد من الفرص التي أضعناها أو الإجراءات التي قمنا بها و ندمنا على ذلك، حيث بدأ الباحثون الآن بدراسة العلاقة بين الندم و التصوُّر الذاتي عن النَّفْس من خلال أسئلة تُعتبر وجوديةً مثل- هل تعرفون بوضوح من أنتم؟ هل أنتم ذلك الشخص الذين تريدون أن تكونوا مثله؟ و هل تعيشون الحياة التي حقاً تريدون أن تعيشوها؟ هل تعيشون بطريقة تفي برغباتكم و تفي بدوركم و مسؤولياتكم تجاه الآخرين؟

تُعتبر مثل هذه الأسئلة هي الأساس لدراسةٍ جديدة تشير نتائجها إلى أن مشاعر الندم المستمرة ناتجة عن وجود فجوةٍ بين الذات الفعلية و الذات المثالية، و ليس بين الذات الفعلية و الذات المنشودة. أو بعبارة أبسط، هناك فرصة أكبر للانغماس في الندم المستمر بشأن شيء ما كان بإمكانكم القيام به، و ليس بشأن شيء ما كان ينبغي عليكم القيام به.

و يستند هذا التمييز و التفريق بين “أستطيع أن أفعل” و بين “يجب أن أفعل” على نظرية التناقض الذاتي (self-discrepancy theory) للطبيب النفسي إدوارد هيغنز “Edward Tory Higgins”، و يرتبط هذا التمييز بالطريقة التي نشكل بها شعورنا بذواتنا، حيث يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام: الذات الفعلية- و هي التمثيل و التعبير عن السمات و الصفات التي يؤمن الإنسان بوجودها لديه في وقت معين. و الذات المثالية- و هي التمثيل و التعبير عن السمات و الصفات التي يريد أن يمتلكها الإنسان في الوضع المثالي و هذه الذات مرتبطة بأهداف مستقبلية و تخَيُّليَّة. و الذات المنشودة- و هي التمثيل و التعبير عن السمات و الصفات التي يؤمن الإنسان بوجوب امتلاكها، استناداً إلى الأدوار و الالتزامات الاجتماعية الملقاة على عاتقه.

عندما وجود فجوةٍ بين هذه الأنواع من أنواع الذات، ينتج عن ذلك مشاعر سلبية. قد تنشأ مشاعر خيبة الأمل و الحزن ،على سبيل المثال، من الفجوة بين الذات الفعلية و الذات المثالية، حيث يمكن لذلك أن يسبب شعوراً لدى الشخص بأنه لا يعيش الحياة التي أرادها. على النقيض من ذلك، إذا اعتقد الشخص أنَّ ليس لديه القدرة على تحقيق ذاته المنشودة، حيث كان هناك فجوة بينها و بين ذاته الفعلية، فمن الممكن أن تنشأ لديه مشاعرٌ مثل الذنب و الخوف.

و بناءً على هذه النظرية، سعى الباحثون إلى دراسة فرضيَّتيْن. الفرضية الأولى هي أن مشاعر الأسف المستمرة سوف تنجم عن وجود فجوة بين الذات الفعلية و الذات المثالية أكثر من كونها ناتجة عن الفجوة بين الذات الفعلية و الذات المنشودة. و الفرضية الثانية، أنه في ضوء محاولتنا لفهم الآلية التي تكمن وراء الاختلافات بين الفجوات، فإن الطريقة التي نتعامل بها مع مشاعر الندم تؤثر على استمرارها في حياتنا.

من أجل التحقق من تلك النظريات، أجرى الباحثون سلسلةً من ثلاث تجارب، و التي أحد نتائجها فرضيات الدراسة. و التفسير الذي قدمه الباحثون حول تسبب الفجوة بين الذات الفعلية و بين الذات المثالية في مشاعر الأسف المستمرة هو أن الفجوة بين الذات الفعلية و الذات المنشودة تدفعنا إلى اتخاذ اجراءات فورية لإصلاح الضرر، و بالتالي فإن زمن تأثيره يكون قصيراً نسبياً. في المقابل، فإن الفجوة بين الذات الفعلية و الذات المثالية يتم النظر إليها على أنها أقل حدةً، حيث لا يقتصر الأمر على أنها لا تؤدي إلى القيام بإجراءات فعلية و حسب، بل إنه يتم تجاهلها و عدم الانتباه لها، مما يؤدي إلى وجود فجوة دائمة و مستمرة و بالتالي شعور دائم بالندم.

الحياة بدون ندم هي حياةٌ مستحيلة

في بعض الأحيان، يراودنا شعورٌ بأن المجتمع الذي نعيش به يحاول أن يوصل لنا رسالة بأن لدينا القدرة و أنه ينبغي علينا على العيش بدون أي مشاعر بالندم. قد يقول لكم أصدقاؤكم ذلك، و من الممكن أن تصادفوا بعض الإعلانات التي تخبركم بنفس الأمر، أو أن هناك شخصاً ما نصحكم بقراءة كتاب كان اسمه شيء من هذا القبيل “خمس خطوات بسيطة للعيش بدون ندم!”. لكن الحقيقة هي أن الحياة بدون مشاعر بالندم هي حياة مستحيلة و غير ممكنة لأن الندم هو شعور طبيعي و أساسي. جميعنا يسأل نفسه في بعض الأحيان “ماذا سيحدث لو….؟” أو نقول لأنفسنا أنه كان باستطاعتنا فعل كذا أو كان ينبغي علينا فعل ذلك. و هذا جيّد، لأنه جزء مما يجعلنا بشراً.

و لكن من المهم أن نتذكر أن مشاعر الندم لا تُوْلدُ متساويةً، و هي تختلف من شخص لآخر في أسبابها، و شدتها، و مدتها الزمنية تبعاً للأنواع المختلفة من أنواع الذات (النفس). هذه المعلومات، التي أتت من نتائج الدراسة، يمكن أن تساعدنا في الحد من درجة الندم الذي نشعر به.

إذا كانت الذات المنشودة على قدرٍ عالٍ من الأهمية بالنسبة لكم و كنتم تميلون إلى تعريف أنفسكم وفقاً لالتزاماتكم و مسؤولياتكم، فإنكم قد ترغبون للتوقف و التفكير ملياً قبل اتخاذ أي قرار بإشراك أناس آخرين في حياتكم (الأناس الذين قد يتأثرون بحدود مسؤولياتكم و أدواركم). من ناحية أخرى، إذا كان ما يوجهكم في حياتكم هم الذات المثالية، فإن طريقة التفكير هذه قد تسبب لكم المزيد من مشاعر الندم المستمرة. في مثل هذه الحالة، فإن الشيء الذي يقلل من شعوركم بالأسف هو اتخاذ القرارات التي تقربكم من طموحاتكم و رغباتكم و التي ليس لها علاقة بالإملاءات و الأدوار الاجتماعية.

لا يهم أي نوع من أنواع الذات هو الذي يقودك بشكل أكثر أهمية، فإن الخطوة الأولى لتقليل الشعور بالندم و الأسف هو فهم و معرفة أنفسكم و ما الذي يحفزها.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كم مرة في الأسبوع الماضي فكرت “ماذا كان سيحدث لو …”؟ لقد قامت دراسة جديدة بدراسة سبب شعورنا بالأسف كثيراً ، وماذا يخبرنا ذلك...
" />