تُأكّد الدراسات: تُساعد المناظر الطبيعية على تَقوية جِهاز المناعة

يعرف الطب الحديث في أيامنا هذه كيفية إيجاد علاقة السبب و النتيجة بين مستوى صحتنا و بين كل عادة فسيولوجية نقوم بها في حياتنا اليومية تقريباً: التغذية، و النوم، و الرياضة، و ما إلى ذلك. لكن ماذا عن المشاعر، هل لها أيضاً أثرٌ على متوسط أعمارنا المتوقعة؟ أصدرت صحيفة الـ Telegraph تقريراً عن تجربةٍ أُجريت في جامعة بركلي في كاليفورنيا لدراسة تأثير العواطف على الصحة.

لغرض الدراسة، طُلِب من 200 شاب أن يٌبيّنوا حجم المشاعر الإيجابية التي مروا بها في يومٍ ما، مثل الدهشة، و التعاطف، و الرضا، و السعادة، و الحب، و ما إلى ذلك. في يوم التقرير تم أخذ عينات من اللثة للأشخاص الخاضعين للدراسة لمعرفة مستويات بروتين سيتوكين إنترلوكين 6. لا تدعوا الاسم الطويل لهذا البروتين يخيفكم، حيث يشير الفائض منه إلى وجود إلتهاب في الجسم. في الوضع العادي، يساعد السيتوكين على محاربة العدوى و الأمراض، لكن تشير المستويات المرتفعة منه إلى وجود حالات طبية مثل السكري، و أمراض القلب و الأوعية الدموية و كذلك الإكتئاب السريري. بعبارةٍ أخرى، الجرعات الزائدة من السيتوكين هو أحد الأعراض التي تشير إلى وجود شيء في الجسم لا يسير على ما يرام.

بعد تشابه ما جاء في التقرير العاطفي الخاص بأفراد الدراسة مع نتائج عينات اللثة التي أٌخِذت منهم، اكتشف الباحثون اتجاهاً مثيراً للاهتمام: فإن الأشخاص الذين أخبروا عن مشاعر إيجابية، مع التركيز (و هذا مهم) على مشاعر الدهشة، و الإثارة، كان ليدهم مستويات أدنى من السيتوكين. ما يعني أن أجسامهم كانت في حالة صحية سليمة جداً. تكمن الأهمية المذهلة لهذه النتائج في أنّ لدينا القدرة على تحسين حالتنا الصحية فقط من خلال تعريض أنفسنا للجمال بمفهومه الواسع.

البروفيسور “داكر كالتنر” هو طبيب نفسي كرس حياته لدراسة السعادة. في الواقع، هو يرأس معهد أبحاث السعادة في جامعة بركلي في كاليفورنيا – Greater Good Science Center. نتحدث عن شخصية تتعيش و تتنفس البحث عن الخير للفرد و الجميع. كأحد القائمين على هذه الدراسة فقد أشار إلى نتائجها بالقول: “الحقيقة هي أن مشاعر الدهشة، و الفضول و الجمال تعزز مستويات صحية من السيتوكين، ما يعني أن الأشياء التي نقوم بها لتعزيز هذه المشاعر لدينا – التجول في الطبيعة، و فقدان أنفسنا في سماع الموسيقى، و الاستمتاع بالفنون – سيكون له تأثير مباشر على الصحة و على متوسط أعمارنا المتوقعة”.

حاولوا دائماً أن تتذكروا تجارب الحياة التي تجعلكم تشعرون بالاندهاش مثل الأطفال الصغار. سواء كانت تلك المرة التي قمتهم بها بالوقوف أمام المعجزة المعمارية التي تعرف باسم “تاج محل”، أو المنظر الطبيعي الذي يحبس الأنفاس الذي يمكن مشاهدته من قمة جبلية في أمريكا الجنوبية، أو الصور الجدارية التي تبعد عن بعضها بضعة أمتار، و كمية التفاصيل التي لا يمكن تصورها في الكنيسة الرومانية، أو إحساسكم بارتفاع نبضكم بعد الانتهاء من قراءة كتابٍ ما، أو عند سماع أغنية جعلتكم تشعرون برجفةٍ في كل مرةٍ تستمعون إليها. و فقاً للدراسة، ينبغي علينا أن نستجمع أكبر قدر من هذه التجارب.

هذه الدراسة تعتبر دليلٌ إضافي على وجود علاقة بين العالم الروحي و العالم المادي: يمكن أن تؤثر المشاعر الإيجابية مثل التعجب و الاندهاش، و الجمال على وجه الخصوص، بشكلٍ حقيقيٍ على العمليات البيولوجية في الجسم. التواجد بصحبة الجمال في حد ذاته يمكنه أن يطيل أعمارنا. حيث توضح الدكتورة “جينيفر ستيلار”، و هي أحد الباحثين في الدراسة، أنّ “نتائج الدراسة تظهر أن العواطف الإيجابية مرتبطة بعلامات تدل على صحة سليمة”.

أحد الأسئلة التي ظهرت من خلال الدراسة هو: ما الذي يأتي أولاً – المشاعر الإيجابية أم مستويات منخفضة من السيكوتين؟ تقول ستيلار أنه من المحتمل أن يكون لذلك تأثيرٌ متبادل. كما أنها تقول أنّ: ” مشاعر الدهشة و التعجب مرتبطة بالفضول و الرغبة بالاستكشاف، أي أنها استجابة سلوكية تتعارض مع تلك التي جاءت في الدراسات حول الالتهابات، بأن الأشخاص بشكل عام يبتعدون عن الآخرين في محيطهم“. بعبارة أخرى، فإننا عندما نكون في وضعٍ نستمتع به  بالطبيعة، أو بالفن، أو بأي شيء آخر، فإن ذلك الوضع يجب أن يكون الوضع الافتراضي الذي يجب أن تكون عليه صحتنا.

تم إثبات العلاقة بين المشاعر الإيجابية و الصحة السليمة من خلال تجربة مضبوطة. حيث تم التوصل إلى إستنتاج لا لبس فيه هو أنه من المفيد الحفاظ على الصحة العاطفية بنفس القدر الذي نحافظ به على صحتنا البدنية، لأن هناك تفاعل و علاقة تبادلية بينهما. يقولون أن “الفضول يقتل النمل”، لكن لا تدعوا الأشياء الصغيرة، مثل الأمثال الشعبية أو غيرها، أن تقف في طريقكم إلى الاستمتاع بتجارب لا تُنسى من الجمال و الإثارة و الحماس.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يعرف الطب الحديث في أيامنا هذه كيفية إيجاد علاقة السبب و النتيجة بين مستوى صحتنا و بين كل عادة فسيولوجية نقوم بها في حياتنا...
" />