المحاضرة الأسبوعية لـ TEDED: إدارة الوقت و ترتيب أولويات المهام المستوحاة من الخوارزميات الذكية

time management

تَنشغِل الفِرَق المختصة بالعمليات التفكيرية التابعة لشركات تكنولوجيا المعلومات معظم الوقت بتطوير الحلول التي تجعل أجهزة الحاسوب الخاصة بنا أسرع، و أكثر فعالية، و أكثر قوةً و أفضل من جميع النواحي. من المحتمل جداً أن الشيء الوحيد الذي يفكر به المبرمجون و المهندسون هو بعض مشاكل الكمبيوتر المحددة. على الأقل، من الممكن القول أن اللقاءات التطويرية لم تهدف لتوفير حلولٍ عامة لإدارة حياتنا اليومية كبشر، و إنما للمشكلات التي تُعتَبر خوارزميةٌ بطبيعتها. لكن حل مشكلات الناس، كما يتَبيَّن، سوف يكون بالتأكيد نتيجةً لحل تلك المشكلات الخوارزمية. ببساطة، فإن الحواسيب هي أدوات تساعدنا للعمل بكفاءة من خلال تقصير العمليات، و ما شابه ذلك. لكن هناك فائدة أخرى سنحصل عليها نتيجة لأفكار التطوير في مجال الكمبيوتر ربما تبدو أقل وضوحاً للوهلة الأولى.

يتجلَّى الإبداع في معرفة كيفية أخذ الأشياء من سياقها المعروف و محاولة العثور على استخدامات أخرى لها في سياقات جديدة. ما الذي يحدث إذاً، عندما نقوم بقلب العملية رأساً على عقب، و بدلاً من العمل على غرس طُرُق و مبادئ التفكير البشري في أجهزة الكمبيوتر – فإننا نقوم بأخذ المبادئ التي صُنعت من أجل الكمبيوتر ونقوم بتطبيقها في حياتنا؟ و عندما نقوم بتبنيها كعادات و كأنماطٍ للتفكير؟ قامت قناة TEDED على اليوتيوب بإنتاج فيديو مبنيٌ على كتاب “Algorithms to Live By” الذي ألفه بريان كريستيان، الكاتب في علوم الكمبيوتر، و البروفيسور توم غريفيث، و هو خبير في علم النفس المعرفي من جامعة كاليفورنيا في بركلي.

يقوم هذا الكتاب باستعراض مبادئ مختلفة في عالم الكمبيوتر التي يُمكن أن تكون قابلة للتطبيق خارج هذا العالم الإفتراضي، على الإنسان الذي يتكون من لحم و دم. يُركّز فيديو الرسوم الخاص بـ TEDED على أنّ الخوارزميات التي تستطيع جعل أجهزة الحاسوب معجزة تكنولوجية في كفاءتها، قادرةً أيضاً على جعلنا مثلها تماماً. في ظاهر الأمر، من الواضح أن المبادئ التي أنتجها العقل البشري سوف تتناسب مع سلوك الدماغ البشري أيضاً. و على الرغم من ذلك، و بما أن أجهزة الحاسوب تعمل بشكلٍ مختلفٍ عن الدماغ البشري، فيجب البحث عن حلولٍ تناسب هذا الشكل الرياضي من التفكير. و عندما نقوم بفعل ذلك، سنجد في كثير من الأحيان أن الطريقة الأكثر فعالية للقيام بأعمالنا لا تأتي لنا بطريقة حدسية. على الرغم من أننا نحن من قام بصناعتها، إلا أن لدينا الكثير لنتعلمه من أجهزة الكمبيوتر.

يبدأ الفيديو بوصف خلل أصابَ مركبةً فضائية و أدى إلى تعطيل مهمة على سطح المريخ. أصاب هذا الخلل نظام التوقيت، “الذي يقوم بإعلام وحدة المعالجة المركزية كم من الوقت يستغرقه العمل كل كل واحدة من المهام، و ما الهي المهمة التالية التي ينتقل للعمل عليها”، عمل على عرقلة تسلسل المهام الخاصة بالمركبة الفضائية حيث توقفت عن القيام بالعمل الذي أرسلت من أجله للمريخ. يمكنك النظر إلى نظام التوقيت و كأنه يشبه مديرة المشاريع في شركة لتنظيم مهام الإدارات. عندما يكون النظام مصمماً بشكل جيد على أجهزة الكمبيوتر، سيلاحظ المستخدم نشاطاً و عملاً سلِساً و متدفقاً. لكننا جميعنا واجهنا، ليس مرةً أو مرتين فحسب، عرقلةً في عمل جهاز الحاسوب بسبب قيامه بأداء عدد كبير من المهام.

“هذا بإمكانه أن يمنحنا، على أقل تقدير، قدراً من الراحة. حتى أجهزة الحاسوب من الممكن أن تصل إلى مرحلة من الارتباك في كثير من الأحيان”. و لأننا نحن من قمنا بتصميم أجهزة الحاسوب، فنحن أيضاً قادرين على تزويدها بالحلول لتطوير إمكانياتها. و إذا نجحنا في التغلب على عقبة تواجهنا في الخوارزمية، فربما سيكون من الممكن أن يساعدنا هذا على إدارة وقتنا الخاص. “أحد المفاهيم الأساسية تشير إلى أنه طالما أننا نخصص معظم الوقت لترتيب المهمات من حيث الأولوية، فإن هذا الوقت سينقضي دون إنجازِ أيٍ منها”. إذا أخذنا مثالاً على ذلك من عالم الطب، فعندما نكون في غرفة الطوارئ، فإننا نريد الذهاب قبل كل شيء إلى المرضى الذين يعانون من أكثر المشاكل إلحاحاً و التي تشكل خطراً على حياتهم. نستطيع أن نستخدم هنا نفس المنطق (أو على الأقل نحاول) في كل مجالٍ من مجالات الحياة تقريباً، ابتداءاً من دفع الفواتير و حتى تنظيف صندوق الوارد الخاص بك. للقيام بذلك، ينبغي علينا إجراء مراجعة أولية لكل المرضى، أو الحسابات، أو الأمور الأخرى المعروضة أمامنا، لكي نفهم ما هو الأكثر أهمية و من ثم البدء في العمل.

إن الرد على رسائل البريد الالكتروني – و هو مثال يظهر في هذا الفيديو – هي طريقة جيدة لتوضيح الفكرة المعقدة بشأن ترتيب المهام حسب الأولوية، لأنها تشرح بشكل واضح كيف أن الحجم الكبير للمهام يمكن أن يغيّر بشكل جذري من جودة و فعالية طريقة العمل الخاصة بنا. و من ناحية حسابية، فإن إجمالي الوقت الذي يستغرقه كل من ترتيب المهام و من ثم القيام بها، لا يزيد عن نسبة تقدر من 1 إلى 1 . لنفترض أننا فتحنا اليوم صندوق البريد، و رأينا خمس رسائل، و رتبناها حسب الأولوية، و من ثم قمنا بالتعامل معها – و هذا استغرق منا عشرون دقيقة فقط. في اليوم التالي، فتحنا البريد الألكتروني مرةً أخرى، و وجدنا هذه المرة عشر رسائل. الآن الوقت الذي يستغرقه ترتيب قائمة الأولويات و إنجاز المهمات نفسها لن يكون ضِعْف الوقت السابق، أي 40 دقيقة، لكنه سيزيد عن الوقت السابق بأربع مرات، أي ساعة و عشرون دقيقة.

في العام 2003، عندما جلس مبرمجو نظام لينكس (Linux) من أجل بناء خوارزمية التوقيت (المزامنة و الجدولة)لنظام التشغيل، كان المنطق الذي يوجههم هو نفس المنطق الذي ذكرناه بخصوص غرفة الطوارئ. “لقد قامت لينكس بترتيب كل واحدة من المهام حسب الأهمية، و في كثير من الأحيان تم قضاء الكثير من الوقت في ترتيب المهام بدلاً من القيام بها”. ضع في اعتبارك وضعاً تحتاج فيه إلى القيام بتنسيق لتجديد رخصة المركبة لزوجك أو زوجتك. أنت على الهاتف مع شركة التأمين، و على الواتسآب مع الزوج أو الزوجة، قمتم بفتح الآلة الحاسبة لعمل المقارنات و يجب أن يكون الإيميل مفتوحاً أمامكم لمعرفة عروض الأسعار. اليوم تبدو مثل هذه المناورة واضحة، و لكن ماذا سيحدث إذا حاولت العمل بنفس الوقت على جميع هذه البرامج، التلفون يرد عليكم برسالة تقول: ” الرجاء الانتظار، يقوم المعالج الآن بترتيب المهام حسب الأولوية من أجل تحقيق أقصى قدر من جودة الخدمة. شكراً على صبركم”. الآن لكم أن تتخيلوا كيف ستكون ردة فعلكم على جاهز التلفون.

لتجنب ردود أفعال المستخدمين هذه، قرر المبرمجون التخلي قليلاً عن الدقة في تصنيف و ترتيب المهام من حيث أهميتها من أجل تحسين سرعة الاستجابة. حيث تمثل الحل الذي قاموا به بإنشاء “مجموعات الأولوية”، و هي عبارة عن تصنيفات تتضمن كل منها مجموعة معينة من المهام في فئات أكثر عمومية و من ثم العمل على ترتيب تلك الفئات. “كان النظام أقلُ دقةً بخصوص ما هو الشيء الذي ينبغي تنفيذه الآن، لكنه عوض عن ذلك بشكل كبير من خلال تخصيص المزيد من الوقت لتحقيق مزيدٍ من التقدم”. إن التخلص من المهام من صندوق البريد الخاص بنا يعمل بنفس الطريقة. فمع زيادة عدد رسائل البريد الإلكتروني، تصبح عملية تحديد المهام حسب الأولوية أقل و أقل كفاءة، حتى تصلون لمرحلة يكون من الأفضل لكم استغلال ذلك الوقت بتنفيذ تلك المهام حسب ترتيبها الزمني أو بشكل عشوائي. من المفارقات أنه لا يوجد هناك ترتيب معين يمكنه أن يتفوق في كفاءته على ترتيب آخر.

الخوارزميات لها أيضا اضطراباتٌ في الانتباه

و في حادثة أخرى، تمكّن المبرمجون من إيجاد حلٍ “لواحدة من الظواهر الأكثر شيوعاً في حياتنا المعاصرة – المشتّتات”. عندما نقوم بمهمةٍ ما، فإننا نستثمر فيه كمية من الطاقة، و الانتباه، و الموارد المعرفية و هلم جرا. من أجل الإنتقال إلى مهمة أخرى نحتاج إلى مقاطعة العمليات و تشغيل عمليات أخرى من جديد في مركز آخر. هذه هي الطريقة التي تعمل بها أجهزة الكمبيوتر – حيث تقوم بعملية الانتقال من مهمة إلى المهمة التي تليها حسب سرعة الذاكرة. بالمناسبة، هذا هو أحد الأسباب الذي يجعل ذاكرة الحاسوب مكوناً لا يؤثر فقط على مساحة التحزين، بل أيضاً على مستوى الأداء و السرعة.

هذا يعني أننا كلما كنّا منهمكين بعمقً في المهمة، كلما قلّت سرعة الإنتقال إلى مهمة أخرى. على سبيل المثال، فإن الانتقال من قراءة كتاب في الفلسفة إلى حل معادلة رياضية يعتبرُ بطيء جداً مقارنةً بالإنتقال من تنظيف الأسنان إلى مشاهدة التلفاز. و كلما واجهتنا المزيد من هذه الازعاجات أثناء قراءة الكتاب، فإن جودة الفهم سوف تقل لدينا. دائما ما تطغى أحد هاتان الخاصيتان على حساب الأخرى: “أداء العمل الجاد يعني تقليل التبديل بين السياقات. بينما الاستجابة تعني القدرة على الرد في كل مرة يطرأ فيها أمر ما”.

يريد المبرمجون الذين يعملون على تطوير الكمبيوتر أن يجعلوا الكمبيوتر يعمل على مستوى عالٍ في كلا المجالين – بمعنى، أنه سيكون بإمكان جهاز الكمبيوتر معالجة المهام المعقدة للغاية، و يمكنه أيضاً التنقل بسرعة كبيرة بين المهام المختلفة. و لإيجاد توازنٍ بينهما، توصَّل المبرمجون إلى حلٍ باهر – يتمثل هذا الحل بتجميع هذه الإزعاجات لأوقات محددة مسبقاً. تتم برمجة هذا النظام بطريقة لا يتم بها التعامل مع المهام الثقيلة التي تطرأ بشكلٍ فوري، و إنما تقوم الخوارزمية بجدولة المهام الثانوية في طابور المهام، حيث يسمح ذلك للكمبيوتر بأخذ قسط من الراحة، لكي يقوم بالتعامل معها. أدّت هذه الفكرة، من بين أمورٍ أخرى، إلى تحسين كبير في العمر الإفتراضي لبطاريات أجهزة الكمبيوتر المحمولة، لأن الكمبيوتر لم يعد بحاجة لأن يبقى يعمل بشكل مستمر فقط لكي يقوم بمعالجة المهام الصغيرة، و لكنه يعمل معظم الوقت في وضع التوفير، و من ثم يستيقظ للعمل على المهام الكبيرة في وقت محدد سلفاً، حيث يعود في نهايته للغفوة. “ربما يتيح لنا اتبّاع طريقة مماثلة، نحن المستخدمون، لإستعادة سيطرتنا على قدرتنا على الانتباه، واسترجاع أحد الأشياء التي أصبحت نادرة الوجود في حياتنا المعاصرة – الهدوء و السكينة.

من خلف هذه الاقتراحات العملية، توجد هناك فكرةٌ أخرى أوسع. في كتاباتهم، يعلمنا كريستيان و غريفيث، ليس فقط التقنيات العملية لتحسين كفاءتنا في أمور الحياة اليومية – بل أيضاً يذكروننا بالنظر إلى الأماكن الأقل وضوحاً لكي نتعلم شيئاّ عن أنفسنا.

المصدر: المحاضرة الأسبوعية لـ TEDED: إدارة الوقت و ترتيب أولويات المهام المستوحاة من الخوارزميات الذكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تَنشغِل الفِرَق المختصة بالعمليات التفكيرية التابعة لشركات تكنولوجيا المعلومات معظم الوقت بتطوير الحلول التي تجعل أجهزة الحاسوب الخاصة بنا أسرع، و أكثر فعالية، و...
" />