التلقيح أفضل وسيلة لمقاومته الـ”كزاز” داء قاتل

لا توجد وسيلة أفضل من التلقيح لمقاومة داء الـ” كزاز “. على الرغم من ذلك، لا يزال هذا الداء يفتك بالبعض من وقت لآخر. وضحاياه بين النساء والمسنين أكثر مما هي بين الرجال والشباب، لكنه قد يصيب أيّا كان، حتى المراهقين.

ينجم الـ” الكزاز ” ( “تيتانوس” “Tetanus” ) عن نفاذ عصيات معينة إلى جسم الإنسان. وتلك العصيات، المسماة علمياً ” كلوستريديوم تيتاني ” ” Clostridium Tetani ” ، موجودة على بشكل طبيعي في أمعاء الحيوانات الأليفة. المعضلة أن لها غبيرات ( أو “بذوراً” ) تتساقط على الأرض، ما يجعل انتشارها هيناً، هكذا، فد يؤدي أي جرح، مثلاً القدم الحافية، إلى استغلال تلك الغبيرات فرصة وجود فتح في بشرة الإنسان، فتهاجمه من خلالها، وتنفذ إلى داخله. وبعد فترة حضانة معينة داخل الجسم، تتحول البذور إلى عصيات ” كزاز ” تفرز بدورها سموماً تفضي إلى تردي الجهاز العصبي، وربما الموت جراء تشنجات عضلية حادة، قد تفضي إلى وقف التنفس.

ومن خصائص تلك العصيات، المسماة أيضاً “عصيات نيكولاير” ( نسبة إلى الدكتور آرثر نيكولاير، أحد من أسهموا في اكتشافها ): أنها لا هوائية، أي تقدر على العيش من دون أكسجين أو هواء ( وهي صفة تدعى ” anaerobic ” بالإنجليزية، تتسم بها بعض أنواع البكتيريا والجراثيم والفطريات والكائنات الحية الضئيلة جداً ). ومن صفات الـ” كزاز ” الأخرى: الإصابة غير مُحصِّنة، بمعنى أنها يمكن أن تكرر، بخلاف أمراض أخرى، تفضي الإصابة بأحدها، ولو مرة واحدة، إلى تحصين الجسم ضدها، إذ ينتج أجساماً مضادة لها. أما عصيات الـ” الكزاز ” فلا يقدر نظام المناعة الطبيعي على تكون أجسام مضادة دائمة لها. بالتالي فإن الشفاء من الـ” كزاز “، للمرة الأولى لا يعني أنه ولّى إلى غير رجعة.

لوحة معروفة

تلك العصيات، بالأحرى السموم التي تفرزها، تهاجم الأعصاب والناقلات العصبية، بحيث تصل حتى النخاع الشوكي والدماغ، لذا فإن من بين أكثر أعراض الـ” كزاز ” شهرة ورهبة، يشار إلى حالات التشنج العضلي، المؤلمة للغاية، التي تنتاب المصاب بشكل غير مسيطر عليه. إذ غالباً ما يتلوّى المريض، وتتصلب عضلات جسمه من دون أن يقوى على السيطرة على حاله. وإن كان ممدداً على ظهره، تراه يتقوس نحو الأعلى، بحيث تظل كتفاه وقدماه على الأرض، بينما يؤلف باقي جسمه (الجذع والفخذان والساقان) قوساً محدباً من أعلى ومقعراً من أسفل.

وهذا الوصف قديم جداً، وجاء ذكره في مخطوطات قديمة، بما فيها في الطب العربي، بل تم حتى رسمه من جانب بعض الرسامين، منهم الطبيب الاسكتلندي السير تشارلز بيل، أخصائي الجملة العصبية، الذي كان رساماً أيضاً، ما حدا به عام 1809، إلى رسم لوحة معروفة في الأوساط الطبية، تري أحد مرضاه المصابين بالـ” كزاز “، وقد اعترته حالة تقوس الجسم تلك، ففي تلك الفترة، لم يكن الأطباء مدركين بعد حقيقة أن جرح إحدى القدمين أو الساقين ينطوي على علاقة مباشرة بالـ” كزاز ” ( إذ لم يتم إيجاد تلك العلاقة سوى عام 1854 ). والسبب بسيط، هو أن جرح القدم، لاسيما الحافية، غالباً ما يعني أن حزّها متأتٍّ من كسرة زجاج أو قطعة معدنية، أو ربما بمجرد حصاة صغيرة، مرمية على الأرض، بالتالي، لا يستبعد أحتواؤها على غبيرات عصيات “كلوستريديوم تيتاني”. وطبعاً، النتيجة مشابهة إن جرحت اليد، أو أي عضو آخر، بسبب أي قطعة حادة أو حجارة مرمية على الأرض.

حتى البلدان المتطورة

هكذا، بحسب “منظمة الصحة العالمية”، يقتل من الـ” كزاز ” 500 ألف شخص سنوياً، على مستوى العالم. لكن، يطرأ جل الإصابات في بلدان العالم الثالث، لاسيما الفقيرة منها، حيث الرعاية الصحية متدنية، وربما أحياناً معدومة، مثلاً في الأرياف والقرى النائية. هكذا، تشكل شبه القارة الهندية ( الهند وباكستان وبنغلاديش، إضافة إلى سيرلانكا ) موطن الـ” كزاز ” الأول في العالم، ومعها بضعة بلدان أفريقية ( لاسيما السنغال وبوروندي ). ومن بين البلدان العربية، فإن مصر هي البلد الوحيد الذي يسجل حالات إصابة بالـ” كزاز “، يمكن عدها مرتفعة نسبياً، وإن كانت أقل بكثير من حالات بلدان “القائمة الحمراء” المشار إليها، ( أي دول شبه القارة الهندية مضافاً إليها بعض ربوع أفريقيا ).

لكن هذا لا يعني أن البلدان المتطورة، من حيث الرعاية الصحية والتقنيات الطبية، معصومة من الـ” كزاز “. فعلى سبيل المثال، بين عامي 2002 و 2004 حصلت 67 إصابة في فرنسا، تمخضت عن وفاة 16 شخصاً. من بينهم صبي في سن 13. إلا أن معظم الإصابات، مثلما أوضحت بيانات وزارة الصحة، شملت أشخاصاً في سن 60 فما فوق ( لغاية 91 ). ولوحظ أن نسبة النساء المصابات أكثر من الرجال 64 في المئة لهن، مقابل 36 في المئة لهم، أي زهاء ثلثين للنساء وثلث للرجال، ويبدو هذا منطقياً بما أن المسنين أكثر عرضة للـ” كزاز “، مثلما أثبتته إحصاءات عالمية كثيرة، ويما أن النساء يعمّرن أكثر من الرجال، لاسيما في الدول الغربية.

أما تاريخياً، فعرف الـ” كزاز ” منذ قبل الميلاد، حتى أن الحكيم الإغريقي هيبوقراط، الذي عاش ما بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وصف فئتين منه. وتعاقب على ذكر الداء علماء وأطباء كثيرون، من بينهم حكماء عرب عديدون. لكن الدراسات العلمية المعمقة حول الـ” تيتانوس ” لم تنجز سوى بدءاً من القرن التاسع عشر، حيث إكتشف أن الإصابة بجرح، لاسيما على مستوى القدمين، لها علاقة مباشرة بالإصابة بالداء نفسه، وربما الموت. ومن أهم من درس الـ” كزاز “، يشار إلى عالم البكتيريا الياباني شيباسابورو كيتاساتو (1853-1931). فبرفقة علماء ألمان، درس كيتاساتو في بيرلين، تحت إشراف البروفيسور روبرت كوش، العالم الألماني الشهير، مكتشف عصيات السل. وبدءاً من عام 1885، تعمق العالم الياباني في دراسة الـ “دفتيريا ” والـ” كزاز “، الذي تمكن عام 1889 ، من إجراء أول عملية زرع مختبري لعصياته، المعروفة باسم ” كلوستريديوم تيتاني “. وشكل ذلك خطوة مهمة نحو إيجاد سبل مكافحة المرض، ثم استنباط لقاح له، بعد عقود ( في منتصف القرن العشرين ). فمثلما تشكل معرفة العدو وسيلة فاعلة لمواجهته، تعد المقدرة على زرع جرثومة ما، مختبرياً، مرحلة مهمة للقضاء عليه.

اللقاح

وفي الحديث عن مكافحة الـ” كزاز “، نشير إلى أن اللقاح المضاد يظل خير السبل، ويكلل نسبة نجاح عالية، تطاول 98 في المئة لدى الملقحين. لكن مشكلته تكمن في تعقيده. إذ ينبغي تناوله بضع مرات في الحياة، بدءاً من سن شهرين مع معاودة التلقيح إثر مضي شهر، ولاحقاً يجيب تجديد التلقيح كل خمس سنوات، وهكذا. لذا، تنخفض نسبة الملقحين كلما ارتفعت الفئة العمرية. فمثلاً، في فرنسا، وجد أن 97 في المئة من الأطفال، في سنة عامين اثنين ، تلقوا التلقيح المناسب، وتلقوا تجديده في الأوقات المناسبة، في حين تنفخض النسبة إلى 82 في المئة في سن 60، و76 في المئة في سن 70. والسبب في البداية، يحرص الوالدان معهما دور رعاية الطفولة، على زرع اللقاح للطفل في أوقاته المحددة. لكن، مع مرور السنين يكبر الطفل، فيهمل أمر تجديد التلقيح، وهو إجراء ضروري للاستمرار في كفاء شر الـ” كزاز “.

 

العلاج

ينصب علاج الـ” كزاز ” على بلوغ أهداف متعددة، بشكل متزامن، وهي:-

  • القضاء على غبيرات العصيات الموجودة في الجرح. وطبعا، تنصب الخطوة الأولى على إيجاد الفجوة التي نفذت منها الغبيرات، والغرض من ذلك: تهوية المكان، بحيث لا يعود مناسباً لتكاثر الجرثومة، التي مثلما ذكرنا، تفضل الأماكن عديمة الأوكسجين والهواء.
  • إضعاف قدرة العصيات على انتاج الـ” ذيفان ” ( المواد السامة التي تنتشر في الأعصاب ). ولتلك الغاية، يجرى استخدام مضادات حيوية، أهمها ” ميترونيدازول “، الذي حل محل الـ” بينسيلين ” الشهير. فهذا الأخير استخدم عقوداً، لكن تم استنباط مضادات حيوية أكثر فعالية ضد عصيات الـ” كزاز “.
  • معادلة الـ” ذيفان ” الذي لم يصل بعد إلى الأعصاب ( من خلال جعله يتفاعل كيميائياً مع مركبات معينة ). وفي هذا الباب، ثمة تقنيات متعدد، تنصب على حقن المصاب بما يسمى ” غلوبينات الحصانة “.
  • السيطرة على التشنجات العضلية، وهذا المحور هو الأهم، فالمضادات الحيوية، و “غلوبينات الحصانة ” المشار إليها ، تنمع تطور الداء من خلال إضعاف العصيات، لكنها لا تقضي على أعراضه، متمثلة بشكل خاص في التشنجات، وهي خطيرة، فضلاً عن كونها مؤلمة، إذ يمكن أن تؤدي إلى وقف التنفس، فالوفاة. وعموماً، يلجأ الأطباء إلى عزل المصاب في مكان هادئ ومعتم، ( باعتبار الضوء أحد المحفزات لانطلاق التشنجات )، ومع استخدام تقنيات طبية أخرى، أكثر تعقيداً، تهدف إلى تفادي انقطاع التنفس جراء التشنج العضلي، كما توصف أدوية مهدئة ومنومة، منها الـ” فاليوم ” (ماضياً، كان الـ” مورفين ” هو الذي يستخدم لغرض تهدئة المصاب، وتقليص عدد التشنجات ومدتها ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا توجد وسيلة أفضل من التلقيح لمقاومة داء الـ” كزاز “. على الرغم من ذلك، لا يزال هذا الداء يفتك بالبعض من وقت لآخر....
" />